المقريزي

281

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

قال : وهذه التسمية غلبت على هذه الطائفة ، فيقال رجل صوفيّ ، وللجماعة الصوفية ، ومن يتوصل إلى ذلك يقال له متصوّف ، وللجماعة المتصوّفة ، وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق ، وأو ظهر فيه أنه كاللّقب ، فأمّا قول من قال أنه من الصوف ، وتصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص ، فذلك وجه ، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف . ومن قال : إنهم ينسبون إلى صفة مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفيّ . ومن قال إنه من الصفاء ، فاشتقاق الصوفيّ من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة ، وقول من قال أنه مشتق من الصف ، فكأنهم في الصف الأوّل بقلوبهم من حيث المحاضرة مع اللّه تعالى ، فالمعنى صحيح ، لكنّ اللغة لا تقتضي هذه النسبة من الصف ، ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق ، واللّه أعلم . وقال الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهرورديّ رحمه اللّه : والصوفيّ يضع الأشياء في مواضعها ، ويدبر الأوقات والأحوال كلها بالعلم ، يقيم الخلق مقامهم ، ويقيم أمر الحق مقامه ، ويستر ما ينبغي أن يستر ، ويظهر ما ينبغي أن يظهر ، ويأتي بالأمور من مواضعها بحضور عقل وصحة توحيد وكمال معرفة ورعاية صدق وإخلاص ، فقوم من المفتونين لبسوا ألبسة الصوفية لينسبوا إليهم وما هم منهم بشيء ، بل هم في غرور وغلط ، يتسترون بلبسة الصوفية توقيا تارة ودعوة أخرى ، وينتهجون مناهج أهل الإباحة ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى اللّه تعالى ، وأن هذا هو الظفر بالمراد والارتسام بمراسم الشريعة ، رتبة العوام والقاصرين الإفهام ، وهذا هو عين الإلحاد والزندقة والإبعاد ، وللّه در القائل : تنازع الناس في الصوفيّ واختلفوا * فيه وظنوه مشتقا من الصوف ولست انحل هذا الاسم غير فتى * صافي وصوفي حتى سميّ الصوفي قال مؤلفه : ذهب واللّه ما هنالك وصارت الصوفية . كما قال الشيخ فتح الدين محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري : ما شروط الصوفي في عصرنا اليو * م سوى ستة بغير زيادة وهي نيك العلوق « 1 » والسكر والسط * لة والرقص والغنا والقياده وإذا ما هذى وأبدى اتحادا * وحلولا من جهله أو إعادة وأتى المنكرات عقلا وشرعا * فهو شيخ الشيوخ ذو السجّاده ثم تلاشى الآن حال الصوفية ومشايخها حتى صاروا من سقط المتاع ، لا ينسبون إلى علم ولا ديانة ، وإلى اللّه المشتكى . وأوّل من اتخذ بيتا للعبادة زيد بن صوحان بن صبرة ،

--> ( 1 ) العلوق : يقال : علقّت المرأة علوقا : أي حبلت .